هل يشير إيذاء الطفل لنفسه إلى وجود اضطراب نفسي؟
يُطرح سؤالٌ متكررٌ بين الأهالي والمربين: هل يشير تصرف الطفل الذي يُسبب الأذى لنفسه عمدًا إلى وجود اضطراب نفسي كامن؟ والإجابة العلمية هي: نعم، قد يكون ذلك مؤشرًا مهمًّا على معاناة الطفل من صعوبات نفسية
يُطرح سؤالٌ متكررٌ بين الأهالي والمربين: هل يشير تصرف الطفل الذي يُسبب الأذى لنفسه عمدًا إلى وجود اضطراب نفسي كامن؟ والإجابة العلمية هي: نعم، قد يكون ذلك مؤشرًا مهمًّا على معاناة الطفل من صعوبات نفسية جوهرية، لكن لا يجوز التسرّع في التشخيص أو إطلاق أحكام مطلقة دون تقييم مهني شامل.
يُعرَّف السلوك الذاتي التدميري عند الأطفال — مثل ضرب الذراعين أو الرأس، أو العضّ الشديد، أو سحب الشعر، أو حتى الاحتكاك القوي بالسطوح — بأنه سلوك غير واعٍ أو شبه واعٍ يهدف إلى تنظيم الانفعالات المكبوتة أو التخفيف من التوتر الحاد أو التعبير عن مشاعر لا يستطيع الطفل تسميتها أو إخراجها لغويًّا. وهو ليس «تمثيلًا» أو «انتقامًا»، بل استجابة فسيولوجية ونفسية معقّدة تنشأ غالبًا في سياق ضعف في مهارات التنظيم العاطفي أو غياب استراتيجيات التأقلم الصحية.
من أبرز الحالات المرتبطة بهذا النمط السلوكي: اضطراب طيف التوحد، حيث يُستخدم السلوك التكراري (مثل التمايل أو الضرب الذاتي) كوسيلة للتنظيم الحسي؛ واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، خاصة عند وجود صعوبات في ضبط الانفعالات؛ والاكتئاب لدى الأطفال، الذي قد يظهر بدلًا من الحزن الواضح عبر العدوان الذاتي أو الانسحاب الشديد؛ وكذلك الصدمات النفسية المبكرة أو الإهمال العاطفي، التي تُضعف قدرة الدماغ النامي على معالجة التهديدات الداخلية والخارجية بشكل آمن.
ولا يُستبعد أن تلعب العوامل البيولوجية دورًا محوريًّا: فخلل في نظام الناقلات العصبية مثل السيروتونين أو الدوبامين، أو اضطرابات في اللوزة الدماغية أو القشرة الجبهية، قد يُضعف آلية كبح السلوك ويُسهّل الاستجابة التدميرية تجاه الضغوط اليومية البسيطة.
ولذلك، فإن أول خطوة وقائية وعلاجية ليست التوبيخ أو تقييد الحركة، بل الملاحظة الدقيقة لسياق حدوث السلوك: متى يظهر؟ وما المحفِّزات السابقة له؟ وهل يترافق مع تغيّرات في النوم أو الشهية أو التفاعل الاجتماعي؟ ثم التوجّه الفوري إلى أخصائي نفسي أطفال أو طبيب نفسي مختص، لإجراء تقييم سريري متكامل يشمل التاريخ التنموي، والفحص السلوكي، وتقييم الوظائف التنفيذية، وأحيانًا تقييمات عصبية أو مخبرية حسب الحاجة.
والجدير بالذكر أن التدخل المبكر — سواء عبر العلاج السلوكي المعرفي المعدّل للأطفال، أو العلاج باللعب، أو دعم الأسرة في تطوير استراتيجيات التواصل غير اللفظي والتنظيم العاطفي — يُحقّق نتائج ممتازة في معظم الحالات، ويُعيد للطفل شعوره بالأمان والقدرة على التعبير عن ذاته بطرق صحية وآمنة.